سيد محمد طنطاوي

196

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الإمام ابن كثير : يذكر - تعالى - نعمه على عبيده ، بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا ، أي : من جنسهم وشكلهم ، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة ، ولكن من رحمته أنه خلق من بني آدم ذكورا وإناثا ، وجعل الإناث أزواجا للذكور . . » « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وحَفَدَةً ) * بيان لنعمة أخرى من نعمه - تعالى - والحفدة ، جمع حافد يقال ، حفد فلان يحفد حفدا من باب ضرب إذا أسرع في خدمة غيره وطاعته . ومن دعاء القنوت : « وإليك نسعى ونحفد » أي : نسرع في طاعتك يا ربنا . والمراد بالحفدة : أبناء الأبناء . روى عن ابن عباس إنه قال : الحفيد ولد الابن والبنت ، ذكرا كان أو أنثى . وقيل المراد بهم : الخدم والأعوان ، وقيل المراد بهم : الأختان والأصهار أي : أزواج البنات وأقارب الزوجة . . قال الجمل بعد أن نقل جملة من أقوال المفسرين في ذلك : وكل هذه الأقوال متقاربة ، لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب المعنى المشترك . وبالجملة فالحفدة غير البنين ، لأن الأصل في العطف المغايرة « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( ورَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) * بيان لنعمة ثالثة من النعم المذكورة في هذه الآية . أي : ورزقكم - سبحانه - من الطيبات التي تستلذونها وتشتهونها ، وقد أحل لكم التمتع بها فضلا منه وكرما . ثم ختم - تعالى - الآية الكريمة بتأنيب الذين يؤثرون الغي على الرشد فقال - تعالى - : * ( أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللَّه هُمْ يَكْفُرُونَ ) * . والباطل يشمل كل اعتقاد أو قول أو فعل يخالف الحق والرشاد والاستفهام للتوبيخ والتقريع ، والفاء معطوفة على مقدر . والمعنى : أيجحدون نعم اللَّه - تعالى - فيؤمنون بالباطل ، ويكفرون بكل ما سواه من الحق والهدى والرشاد . وفي تقديم الباطل على الفعل « يؤمنون » إشارة إلى أنهم قد اختلط الباطل بدمائهم فأصبحوا لا يؤمنون إلا به ، ولا ينقادون إلا له .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 577 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 586 .